Original topic:

سُدى العابثة الأخيرة

(Topic created on: a month ago)
170 Views
سدى
Active Level 3
Options
عروض

image

كان يراودنى دائمًا ذلك الوهم الساذج… أننى أعرف نفسى أكثر من أى شخص آخر، وكأننى عشت عمرى بأكمله ممسكة بخيوط روحى، أفهمها وأفسرها وأدرك حقيقتها. لكننى الآن، بعد كل هذه السنوات، أقف أمام ذاتى كغريبةٍ تائهة، أحدق فى ملامحها فلا أعرف من تكون.
أدركت متأخرة أننى كنت أكذب… لا على الناس فحسب، بل على نفسى أيضًا.
كنت أرتدى شخصية لا تشبهنى، وأتقمص هيئة لم تكن لى يومًا، ثم أصدقها مع الوقت حتى ظننت أننى حقًا تلك الفتاة التعسة التى لم يحالفها الحظ، ذلك الشخص الباهت الذى خُلق ليقف فى منتصف الطريق دائمًا، لا يصل ولا ينجو.
لكن… على من كنت أحتال؟
كنت أعلم الحقيقة منذ البداية.
أعلم أن بداخلى شيئًا هائلًا، قوةً خامدة تكفى لأن تغرق العالم بأسره لو أُطلق لها العنان، لكننى كنت أدفنها بيدى كل مرة، أهرب منها كما يهرب المرء من وحش يعرف أنه يسكنه.
لم أكن ضعيفة… كنت خائفة.
خائفة من المحاولة الحقيقية، من أن أبذل كل ما أملك ثم أسقط رغم ذلك.
لأن الفشل حينها لن يكون مجرد عثرة عابرة، بل حكمًا نهائيًا لا مهرب منه.
كنت أواسى نفسى دائمًا بتلك الكذبة المريحة:
“لا بأس… أنتِ لم تحاولى حقًا.”
أختبئ خلفها كلما هزمنى الإخفاق، وكأن التقاعس نجاة، وكأن الهروب أقل قسوة من المواجهة.
لكن ماذا لو حاولت فعلًا؟
ماذا لو منحت نفسى فرصة واحدة صادقة بلا خوف، بلا تراجع، بلا أعذار؟
أحيانًا أتخيل الأمر فأشعر برغبة جارفة فى البكاء… لا حزنًا، بل لأننى تعبت.
تعبت من مرارة الشعور بأن الحياة تمضى بينما أنا عالقة فى مكانى، أراقب نفسى وهى تذبل ببطء خلف جدار الخوف.
الحقيقة التى أخفيتها طويلًا أننى لم أكن يومًا عاشقة للعزلة كما ادعيت.
كنت أحب الأضواء… أحب أن أُرى، أن أُسمع، أن أكون شيئًا يلتفت إليه الناس بإعجاب لا بشفقة.
لكن كل ما نجحت فى جذبه حتى الآن كانت نظرات حزينة، نظرات تحمل ذلك القدر المؤلم من التعاطف الذى يشبه الإهانة أكثر مما يشبه الرحمة.
وأنا سئمت.
سئمت من القيود التى صنعتها حول نفسى ثم عشت مقتنعة أنها قدرى.
سئمت من الخوف الذى التهم سنوات عمرى واحدة تلو الأخرى بينما كنت أراقبه بصمت.
لذلك، إن كان الفشل ينتظرنى فى كلتا الحالتين…
فليكن بعد معركة حقيقية هذه المرة.
أريده أن يأتى وأنا ألهث من شدة المحاولة، لا وأنا مختبئة خلف أعذارى الواهنة.
أريد، ولو لمرة واحدة، أن أسقط لأننى قاتلت بكل ما فىّ… لا لأننى خفت من القتال منذ البداية.
ڪَاتبة: سُدى 
العابثة الأخيرة
1 Comment
ادا
Active Level 2
عروض
❤احسنتى